عن الوظائف الهرائية

‏أصبح “العمل” لدى الكثيرين اليوم هو الإجابة الجاهزة عن سؤال معنى الحياة، حيث يتغلغل هذا المفهوم بأسلوب تلقائي وغير واعٍ في بيئات العمل الحديثة، فأصبح الفرد يتبناه دون تنبهٍ أو تمحيص، وأصبحت هويته مقترنة بمنصبه الوظيفي وقيمته بإنجازاته في العمل.

‏وفي المقابل، ظهرت في الغرب أدبيات وأصوات تعارض هذه الظاهرة، ليس فقط ممن يتبنون الفكر اليساري أو الاشتراكي، بل أيضاً من باحثين ينبهون إلى خطورة انتشار “الهراء” في بيئات العمل: هراء التملق، وهراء إعداد العروض التقديمية التي لن يقرأها أحد، وهراء الاجتماعات غير المجدية، وهراء الاستعراض على منصة “لينكد إن”، وهراء رسائل البريد الإلكتروني التي يقضي الموظف ساعاتٍ في قراءتها والرد عليها، والتفكير في سبل (المناورة) أو رمي الكرة في ملعب الطرف الآخر، أو في بروتوكولات التصعيد، وغيرها من الهراءات التي يدركها من يعمل في مثل هذه البيئات.

‏ومن الباحثين المتميزين في هذا المضمار David Greabar و James Suzman، وقد ألفوا مؤلفات متميزة في تحليل هذه الظاهرة. ومؤخراً تعرفت على مدونة Alex Macann في موقع سب ستاك ويطرح فيها أفكار مثيرة للاهتمام حول ظاهرة الهراء الوظيفي المعاصر وخواء المعنى المصاحب له.

‏تكمن خطورة هذه الظاهرة في أن الفرد ينتهي به المطاف في سعيٍ وكدحٍ لا يثمران إنجازاً أو عملاً ذا قيمة وفائدة، في الوقت الذي يربط فيه معنى وجوده بمنصبه الوظيفي، فمن الطبيعي أن يتسلسل القلق الوجودي إلى حياته.

‏لم يُخلق الإنسان من أجل هذا الهراء!

‏من اللطيف أن علماء التراث لم يغفلوا هذا الجانب، فكتاب مثل (البركة في فضل السعي والحركة) للإمام الحبيشي من أمتع ما اطلعت عليه في موضوع العمل، فيضع القواعد والإرشادات للعمل ذي القيمة والمعنى، مبيناً مراتبه وشروطه وأحكامه. مدركاً بذلك حاجة الإنسان الأزلية إلى إيجاد المعنى -حتى في أبسط مهام يومه- من خلال ربطها بالغاية الكبرى من وجوده في هذا العالم.

‏وأجزم بأن تبني المنظمات للتصورات الوجودية لمثل هذا الطرح كفيل بحل مشكلة الهراء!! لكن منطق بيئات العمل الحديث منطق نفعي أداتي خاوٍ من المعنى الكلي الذي تنتظم به الحياة، وفاقدة للأخلاق.

‏إن إنساناً يستحضر هذا المعنى لن يعرف “الاحتراق الوظيفي” أو “اكتئاب يوم الأحد”، ولن يحتاج إلى وهم “التوازن بين العمل والحياة”، لأن العمل حينها لن يصبح مقابلاً الحياة ولا يناقضها، بل هو جزء أصيل منها.

✍️ بقلم:

سالم باعارمة

أحدث التدوينات

19 مايو 2025

Scroll to Top