رحلة إيطاليا ٢٠٢٦ – البحث في الجذور الروحية والفكرية للفن ١: بينالي فينسيا

قمت في الشهر الماضي (يونيو ٢٠٢٦) برحلة سريعة إلى إيطاليا، هدفت فيها إلى الوقوف على عدة مواقع تساعدني في بلورة تصور حول موضوع شغلني كثيرا في العامين الماضيين، وهو الجذور الروحية للفن. في هذه الرحلة زرت ٣ مدن: ميلان، بادوفا، البندقية. وكنت  قد زرت قبل عامين فلورنسا وروما في نفس سياق البحث.

ما أثار حماسي للتخطيط للسفر هذه المرة هو زيارة بينالي فينسيا، والذي يمثل أكبر وأعرق احتفاء فني للفنون المعاصرة يقام كل عامين في فينسيا ويمتد لستة أشهر من مايو إلى نوفمبر. ويستضيف أغلب دول العالم للمشاركة بأعمالها الفنية فيه.

 

تراوحت الأماكن التي خططت لزيارتها ما بين ٣ حُقب فكرية: حقبة الفن المسيحي – حقبة فنون عصر النهضة الإيطالية – حقبة الفن الأوربي الحديث. وشملت متاحف وكنائس ومبانٍ أثرية.

في هذه التدوينة سأبدأ بالحديث عن بينالي فينسيا

تأسس بينالي فينسيا في عام ١٨٩٥!!

يمثل البينالي مؤسسة فنية ضخمة تعنى بالفن المعاصر والفنون المفاهيمية، وهو من المؤسسات التي أصبحت حاضنة أساسية على مستوى العالم للفن الحديث. في كل عامين يُختار شخصية فنية لتحديد الموضوع والإشراف على المعروضات الفنية واختيارها.

في هذا العام وقع الاختيار على الفنانة السويسرية من أصل كاميروني (كويو كوه) للإشراف على هذه النسخة، واختارت موضوع عنوانه Minor Keys،والعجيب أنها توفت في بداية العام قبل افتتاح المعرض.

العنوان يشير إلى مفاتيح البيانو ذات النبرة المنخفضة ويشير الموضوع إلى التالي:

الموسيقى لا تصمت في زمن الفوضى. ثمة من يصنع الجمال رغم الخراب، ومن يلتقط أنفاسه من تحت الأنقاض.

المفتاح الصغير ليس حزناً فحسب — هو البلوز والرثاء والهمس وما بينهما. يرفض الضجيج العسكري والبهرجة، ويحيا في الأصوات المنخفضة، في لحظات الارتجال، في ما لا تستطيع اللغة العقلانية أن تقوله.

المعرض لا يعلّق على أحداث العالم، ولا يهرب منها. يقترح شيئاً آخر: العودة إلى ما تفعله الفنون أصلاً — تحريك الحواس، وفتح الأبواب، وخلق فضاءات تصمد فيها كرامة الحياة.

Biennale Arte 2026: In Minor Keys

يقام المعرض في موقعين ضخمين في وسط مدينة فينسيا، ويحتاج إلى يومين على الأقل لمشاهدة كافة الأجنحة.

تصوري العام حول المعرض:

أولاً/ البينالي ليس محايد ثقافياً بل تهيمن عليه التوجهات اللبرالية/التحررية/اليسارية بالتالي ينعكس هذا الأمر على الأعمال المعروضة. يهيمن على الأعمال طابعين:

١- الطابع الثوري والذي يحاول الخروج عن قيود السائد والمألوف وعلى التابوهات.
٢- تجسيد قضايا اجتماعية وحقوقية متنوعة.

منذ أن تدهل المعرض تقابلك مكتبة المعرض، والتحول فيها كفيل بكشف التوجهات الفكرية للمعرض، قسم خاص لقضايا المثليين، قسم للنسوية، قسم لما بعد الكولونيالية، كل هذه الأقسام تبين القضايا والرسائل التي يسع المعرض إلى تكريسها.

ثانياً/ الجناح السعودي:
تشارك المملكة بشكل رسمي ممثلة بوزارة الثقافة وهيئة الفنون البصرية بجناح كامل في المعرض وهذا العام كان العمل من تنفيذ دانا عورتاني.

 

أصبت بخيبة أمل وأنا أشاهد العمل، فمن وجهة نظري العمل فقير من ناحية فنية وإبداعية وفكرية. تقول دانا بأنها أرادت أن توثق نقوش وزخارف أثرية من خلال أسلوب النقش بالطين المتعارف عليه في وسط الجزيرة العربية. من الناحية الفكرية اختارت دانا زخارف ونقوش من معالم أثرية في الشام تنتمي إلى تراث بيزنطي/مسيحي، أي أنها تمثل خطاً فكرياً لا يرتبط بالفضاء الفكري والثقافي لجزيرة العرب.

ومن ناحية إبداعية فاستخدمت دانة أسلوب وتكنيك فني قديم وهو أسلوب البناء بالطين، وهذا الأسلوب الحرفي منفصل من سياقه الحقيقي، فأسلوب البناء بالطين له أغراض لا ترتبط بالتزيين والزخرفة فقط إنما تتعلق بظروف الطقس والمناخ في وسط الجزيرة العربية لذلك جاء العمل خالي من أي شكل من أشكال الإبداع لا في الشكل ولا في المضمون.

ما سبق يمثل استعراض سريع للبينالي وفي الأجزاء القادمة سأتحدث عن مواضيع ومشاهد أخرى من الرحلة.

✍️ بقلم:

سالم باعارمة

أحدث التدوينات

19 مايو 2025

Scroll to Top